لعبة المكاسب في الاتصال ..

زينب الهذال
للوقوف على صورة واضحة نحو مفهوم التشويش والفقد في الاتصال نعقد مقارنة بين خطابين للرئيس الأمريكي بارك اوباما .واختياره لم يكن عبثاً ولكن لاعتبارات عدة أهمها أن الإدارة الامريكية إدارة محترفة جداً وأي إطلالة للرئيس وأي خطاب وأي كلمة هي أمر مدروس ومنتقى هذا بالإضافة إلى أهمية ومستوى تأثير التصريحات والقرارات الامريكية على العالم ككل وعلى منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص .
 الخطاب الأول وهو الذي ألقاه أوباما  بعد استخدم الغازات الكيماوية في سوريا في أغسطس الماضي فنجده أوجز في الخطاب في 14 دقيقة وافتتحه بسرد بدايات استخدامات الغازات في الحروب وتجربة أمريكا المتمثلة بجنودها في الخارج مع هذا النوع من الأسلحة ومن ثم تحدث عن أثر الحروب التي خاضتها أمريكا وسعيه الدؤوب لإعادة كل الجنود الأمريكيين حول العالم للوطن ليمر أكثر من نصف وقت الخطاب دون أن يدخل في صلب الحدث وهذا سبب كافي ليفقد اهتمام المتلقي ، بعدها يبدع في التضليل فيقول أمريكا ليست شرطية العالم ولكن فعليا هي نصبت نفسها على ذاك الكرسي وانتهى الأمر ويخبر الجميع أن الاوضاع في سوريا لا تزال في حالة ضبابية وانه كرئيس لا يزال متردد فيخشى من تواجد القاعدة ، وتوجهات الجماعات ذات السلوك الغير الانساني التي قد تحكم سوريا لاحقاً والنفور من فكرة خوض حرب اخرى وامريكا لم تتعافى من مستنقعي افغانستان والعراق بعد ، و ليرمي الكرة بعدها في ملعب الكونغرس ويقول : (أنا لا يمكنني ان أعمل بعيدا عنكم واسرائيل تستطيع الدفاع عن نفسها ) والجمل الأخيرة هي لب الموضوع قد يبدو ظاهرها أن الأمر لم يحسم ولكن في الحقيقة المتابع للشأن الأمريكي يعرف أن الرئيس كان يغازل اللوبي اليهودي في الكونغرس ويترك الباب مواربا فيما لو أراد تغيير رأيه ويبرز من خلال حديثه منجزاته في الداخل على حساب عنتريات الادارة السابقة .
محصلة الخطاب أن التشويش فيه عالٍ والفقد لم يجبر بالإطالة والاسهاب حتى يصل المغزى للمتلقي بوضوح ولأننا نعرف أن هذه النوعية من الخطابات لا تكتب ولا تلقى ارتجالاً فالفقد والتشويش هنا كان اختياريا حتى تبقى الأمور غير محسومة لاعتبارات سياسية سواءٍ في الداخل الامريكي أو على صعيد السياسة الخارجية ، وما يعنينا كعرب هنا أننا لا نزال نقع تحت القبعة الوهمية للقائدة أمريكا ، وحينما تتعامل امريكا ببرود وتردد مع الجرم العظيم المتمثل  باستخدام غازات محرمة دوليا على شعب اعزل ونصف ضحاياه اطفال فهي تقلل من شأن ثورة أمة بكاملها وتمتص كل هذا الزخم الذي كان يُتَوقع بعد هذه المصيبة والتي كان من الممكن أن تحسم الاقتتال الدائر في سوريا .
على  الجهة الأخرى يمكن أن نتابع خطاباه السنوي للأمة الاميركية والذي القاه أوباما منذ 3 اسابيع لنقف على مستوى الثقة التي يتحدث بها والود الكبير الذي يناقش به  منجزات حكومته للعام المنصرم ويمتد الخطاب للأكثر من ساعه وبالتالي هو يعلم ان الوصول للمتلقي سيكفل له البقاء على كرسي الرئاسة لذا يضع في الاعتبار كل انواع المتلقين ويتفادى الفقد ما أمكنه فيتحدث بجمل واضحة وبسيطة وبمصطلحات غير معقدة يفهمها أي مواطن امريكي عادي دون ان يغفل مغازلة النخب ، وإمعاناً في التيقن من كون الرسالة وصلت للمتلقي فإن الخطاب المنقول تلفزيونياً يُعرض بالمزامنة مع صور توضيحية تبين وتستعرض ما يقوله الرئيس بينما في الخطاب الأول ذكر أن الصور التي شاهدها للمأساة محزنة وقوية دون أن يعرض منها شيء وهذا لم يكن إغفالاً ولا لاعتبارات مهنية كونها لا تناسب الجميع ولكن لأن استعراض صور بهذه البشاعة لن تغفر له التردد الذي أبداه تجاه الموقف في سوريا حتى في الداخل الأمريكي .
يمكن بالنهاية القول أن الاتصال مهارة يمكن اللعب على نقاط الضعف فيها لتحقيق مكتسبات أكبر .

أنتهى

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقال ممنوع من النشر ..!

مقال ممنوع من النشر

معرض منتجون - للمستثمرات من المنزل ( اليوم آخر يوم )