كتاب ونقاد: المؤسسات الثقافية تحتاج إلى إعادة ترتيب برامجها لتلافي العشوائية والتكرار

تشهد الساحة الثقافية في المملكة الكثير من الفعاليات والأنشطة المختلفة التي تسهم في تنشيط الحراك الثقافي التي تقوم بها الاندية الادبية والمؤسسات الثقافية الاخرى.
ورغم تعدد هذه الفعاليات إلا أننا لسنا بمعزل عن عشوائية العمل الثقافي، فثمة اسئلة تثار حولها منها : من الذين يحضرون هذه الفعاليات؟ ومن الذين يشاركون فيها؟ وأي الشرائح تستقطب؟ وبأيها يكون الاهتمام؟ وهل مأسسة العمل الثقافي تحد من عشوائيته وتساهم في الحراك الثقافي؟ حول هذا الشأن استطلع (الجسر الثقافي) آراء بعض المثقفين فكانت تلك الاجابات:
الوعي الجديد
في  البداية  ينتقد  الدكتور عبدالله عقيل الانشطة الثقافية والملتقيات  التى تقدمها الاندية الادبية وعشوائية طرحها قائلا: الأنشطة الثقافية لا تتماشى  مع الوعي الجديد أسلوباً وموضوعاً في ظل الخيارات المتاحة الأخرى في شبكات التواصل الاجتماعي.
وكون المعلومة هناك متاحة وسهلة في الحصول عليها فما يحتاج إليه من يحضر هذه الأنشطة ليس المعلومة فقط وإنما كيفية التعامل معها من قبل المختصين وتجلية أبعادها والإشارة إلى سياقاتها المتعددة وخلفياتها المتنوعة.
ويضيف العقيل قائلا: "أما بالنسبة  للمؤتمرات الثقافية التى تعقد في انحاء المملكة فنجد انها يغلب عليها طابع الدراسات الأكاديمية وهي بعيدة جدا عن اهتمامات الأدباء والمثقفين بشكل عام.
ونجد في نهاية المؤتمر أنه لا يخرج بتوصيات محددة أو يخرج بتوصيات تظل حبيسة الأدراج ولا تزال هناك دراسات واقتراحات وأحلام للأدباء فما الذي تم فيها؟ وما الذي نفذ منها؟ وما الذي حظي به الأدباء تحديدا من هذا الملتقيات ؟ أسئلة توجه للوزارة. 
مفاتيح للتثاقف
بدوره وصف القاص والكاتب كاظم شبيب التخبط الذي يعيشه فعلنا الثقافي الذي يبدأ من الملتقيات تليها الشللية، ثم الفجوة بين القارئ والمثقف، حيث قال:
منتدياتنا الثقافية غير مستقرة .. تقوم تارة بصناعة الإثارة الثقافية وأحياناً تعمل على التعريف ببعض الثقافات أو الأسماء الثقافية.
هي مجرد مفاتيح للتثاقف أكثر منها فعلا ثقافيا حقيقيا وأحياناً أخرى تقوم بدور المسجل والمؤرخ لمن مر بالساحة الثقافية من مؤلفين أو أدباء وأحيانا  أخرى تكون صاحبة رد فعل لا مبادرة للفعل الثقافي لا سيما عند محاكاتها الأحداث القائمة المرتبطة بالشأن العام.
وتابع الشبيب حديثه: " كذلك تكرار الأسماء التى تمثل المملكة في الملتقيات  الثقافية الخارجية والانحياز لشخصيات بعينها وتجاهل أسماء أخرى أكثر بروزًا وحيوية وتشابه الموضوعات المطروحة وغياب مشاركة الشباب وهي أعراض لمرض واقعي في ساحتنا الثقافية.
كذلك مرض الشللية في الساحة الثقافية وقد ينشأ الأمر من وجود اختلاف في التوجهات الفكرية والدينية.
ويختم شبيب حديثه موضحا ان وزارة الثقافة بحاجة  الى صناعة مناشط تحاكي البيئات الثقافية المتنوعة في المجتمع السعودي بما يجعلها جاذبة لاحتضان الشباب وتطويرهم، ولا يعني ذلك تحميل الوزارة أوزار مشاكل ساحتنا الثقافية، لأن بعض تلك المشاكل منشؤها المثقفون أنفسهم وشلليتهم.
 استعراض كرنفالي
أما الدكتور  إبراهيم الشتوي فقد أكد وجوب خروج النخبة من حالة الاستعراض إلى الفعل الحقيقي، فقال: " الثقافة بمستواها التحليلي والنقدي، هي فعل نخبوي، لا يتوافر إلا لمن استطاع أن يبذل فيه المال والوقت والجهد، لذا لا يمكن أن نتصور أن أغلب الناس سيتركون أعمالهم ووسائل رزقهم وينكبون على المنتج الثقافي يقرؤونه ويحللونه، أو يستمعون إلى منتجيه، وهنا تأتي قيمة وسائل التثقيف الشعبية التي تجمع بين الثقافة والحكمة والتسلية وفي كل زمن تكون هناك وسائل مختلفة عن الزمن الآخر.
ويستدرك الشتوي حديثه: "لذا فليس المرجو من هذه الملتقيات إيجاد وعي شعبي بأهمية الثقافية بقدر ما هو إتاحة الفرصة للمشتغلين بالثقافة والمهتمين بها بأن يقدموا ما لديهم وأن يرتقوا به أيضا ومما يكمل هذا أن الثقافة ليست من مسئولية الفئات الشعبية المختلفة، لكنها مسئولية النخبة التي تستطيع أن تقدم شيئا للثقافة كما المثقفين، وتستطيع أن تعرف قيمة ما يقدمون، وتوفر لهم الجو المناسب.
كما أنها قادرة على أن تترجم أقوالهم وأفكارهم إلى أفعال، وحين تتخلف الثقافة في بلد ما وتتأخر قيمتها، ولا تصبح إلا حالة فردية في استعراض كرنفالي فإن هذا يعني أن النخبة لم تقم بدورها حيال هذه الحالة الفردية لتخرج من حالة الاستعراض إلى الفعل الحقيقي ولتكون نموذجا يحتذى من قبل الآخرين رواد الثقافة وعندها تصبح مفردا بصيغة الجمع، ومن هنا فالمسئولية ملقاة على عاتق النخبة وهم الذين يسألون عن ذلك.
سوء التخطيط
وحول عشوائية الجوائز في فعلنا الثقافي كشف الشاعر والمترجم عبدالوهاب أبوزيد عن رؤيته فقال: " الجوائز يغلب عليها الارتجال وسوء التخطيط وعدم وضوح الرؤية التي يفترض أن تقف وراءها أو تنطلق منها أو تبنى على أساسها. ومما استشففته من واقع معظم جوائزنا الأدبية التي تكاثرت مؤخراً مثل المطر، فإن الهدف غير المعلن من تلك الجوائز هو تسجيل الحضور في الساحة والإعلان عن الذات بالنسبة للجهة المانحة للجائزة أكثر منه تكريم المبدعين والأعمال الإبداعية المتميزة.
كما أوضح عبد الوهاب أننا نعاني حالة افتقاد لمفهوم الجائزة فقال: "مازلنا نفتقد حتى الآن للجائزة الجادة الحقيقة التي تفرض وجودها واحترامها لدى المبدعين ودور النشر التي من المفترض أن تقوم هي بتقديم الأعمال المرشحة للفوز عوض أن يقوم الكاتب بذلك كما يحدث في جائزة البوكر العربية مثلاً التي حققت نجاحاً كبيراً في غضون سنوات قليلة.
غياب الجمهور
ويتحدث أحمد الهلال عن الأنشطة والفعاليات قائلاً : "الملتقيات الأهلية - في رأيي -  تمنح الى حد كبير الفرصة للشباب وتسعى لاستقطاب الكثير منهم، لذا نرى هذه الملتقيات تطرح الموضوعات المتنوعة من أدبية وفكرية وثقافية وفنية واجتماعية وصحية وغيرها مع محاولة منها لاستقطاب أكبر شريحة في المجتمع وتغيب عنها الشللية المريضة تلك التي نراها في الكثير من المؤسسات الثقافية إلا ما رحم ربي.
وفي ظني أن الخلل يكمن في بعض المؤسسات الثقافية الرسمية فهي على الغالب ذات طابع شللي يميل لحصر الثقافة في وجوه معينة من المثقفين وكأن الثقافة لا تنطلق إلا مع هؤلاء.
أما بخصوص عشوائية العمل الثقافي يجب أن نعرف أن أحد الأسباب الرئيسة وهو غياب الجمهور المتفاعل مع الفعاليات والأنشطة الثقافية التي تقيمها هذه الملتقيات سواء كانت أنشطة أهلية أم رسمية وهو ما ولد نوعا من الإحباط لدى القائمين على هذه الأنشطة انعكس سلبا وعشوائية وتكرارا في كثير من الأحيان. فلو كان هناك جمهور متفاعل وناقد لهذا الحراك الثقافي لوجدت هذه العشوائية غائبة أو محدودة على أقل تقدير، وهذا الغياب من الجمهور في ظني قد يكون بسبب ضعف هذه الأنشطة في استقطاب الجمهور من خلال برامج ثقافية تحتوي الشريحة الكبرى منه.
فلا يزال الكثير من هذه الأنشطة إما تقليدية متأخرة عن مزاج الجمهور وذوقه، أو نخبوية في مادتها ولغتها، لذا أقترح للخروج من هذه العشوائية أن تكون مواد هذه الأنشطة مدروسة بعناية و يفرز ما هو للجمهور وما يشكل احتياجا حقيقيا له ذوقياً وثقافياً مع مراعاة آلية العرض أن تكون مواكبة لروح العصر، وكذلك تكون المواد النخبوية. 
دون هذا سوف نراكم العمل العشوائي الرتيب البعيد عن التفاعل المرجو من أي عمل، وهنا أود أن أهمس في أذني هذه المؤسسات الثقافية أن تولي الشباب الموهوب عناية حقيقية من خلال إعطائه الفرصة الكاملة كما هي للمثقف المخضرم فهي الكفيلة - في ظني - من انتشال هذه الأنشطة من الرتابة والعشوائية البعيدة عن الواقع الحقيقي لوعي المثقف السعودي".
كسر الحاجز
ويلخص راشد القثامي نظرته حول هذا الموضوع بقوله:
"يبدو لي أن هناك تصادماً بين الأجيال التي تمارس العمل في المؤسسات الثقافية، وهذا تسبب في توقف الإدارة الثقافيه عن التطور والتجديد نتيجة الاعتماد الكلي على القدرات والطاقات غير الشابة.
وهذا يعني تفاوتا كبيرا بين الجيلين في النظر الي العمل الثقافي من حيث الإدارة والممارسة الفاعلة للنشاط الثقافي نفسه، وطبيعي أن يؤدي ذلك إلى الانفصام بين الجيلين جيل الشباب والجيل القديم وهذا ملاحظ في الملتقيات والمؤسسات الثقافية الرسمية التابعة للدولة.
أما الخروج عن عشوائية العمل الثقافي فيحتاج إلى وضع قوانين ولوائح تكون في تناول جميع المثقفين كلائحة تنظيمية لملتقى الأدباء.  محاربة التأدلج الذي يهيمن على الذوات التي تنظم الملتقيات، وكسر الحاجز بين أجيال المثقفين".
غير المختصين
وتعلق زينب الهذال بقولها : " بعموم الملتقيات في السعودية يتراوح الحضور فيما بين الشللية والأشخاص النشيطين جداً جداً والقادرين على تسويق ذاتهم في هذا المجال، وهذا لا يقتصر على الملتقيات الثقافية والأدبية وهذا القصور يعود لانعدام المهنية في إيجاد ملتقيات ناجحة لها قيمتها وترك الإعداد لها وتنسيق فعاليتها والحضور فيها لغير المختصين في هذه المجالات، لكن من الضروري إيضاح نقطة ضوء هنا أن بعض الملتقيات المتعلقة بجوانب الإعلام الجديد وفعالياته خلقت ثورة تجاه تنظيم الملتقيات التي أعدها وأدارها وأنتجها وكان عراب نجاحها الشباب.
وأرى ضرورة تدعيم الجهات المنظمة بالدماء الجديدة والخلاقة في مجال تنظيم الملتقيات وترك المهمة للمختصين في هذا المجال.
ويبقى الحراك الثقافي كلا تراكميا قد تكون المأسسة جزءا من تطويره، لكن أيضا لإيديولوجيا المجتمع تجاه الثقافة أثر مهم فيه، وأيضاً لقيمة المخرجات الثقافية دور في إيجاد نجاحات وتطور هذا الحراك".

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مقال ممنوع من النشر ..!

مقال ممنوع من النشر

معرض منتجون - للمستثمرات من المنزل ( اليوم آخر يوم )